علي محمد علي دخيل

769

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

للحاجة إلى العمل عليها ، والاهتداء بها ، وأيضا فإنه سبحانه منعه من قول الشعر دلالة على أن القرآن ليس بصفة الكلام المعتاد بين الناس ، وانه ليس بشعر بل هو صنف من الكلام خارج عن الأنواع المعتادة ، وإذا بعد عما جرت به العادة في تأليف الكلام فذلك أدل على إعجازه وقوله : قَلِيلًا ما تُؤْمِنُونَ معناه : لا تصدقون بأن القرآن من عند اللّه تعالى ، يريد بالقليل نفي إيمانهم أصلا كما تقول لمن لا يزورك : قل ما تأتينا ، وأنت تريد لا تأتينا أصلا فالمعنى : لا تؤمنون به ولا تتذكرون ولا تتفكرون فتعلموا المعجز وتفصلوا بينه وبين الشعر والكهانة تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعالَمِينَ بيّن أنه منزل من عنده على لسان جبرائيل حتى لا يتوهم أنه كلام جبرائيل وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلم بَعْضَ الْأَقاوِيلِ معناه : ولو كذب علينا واختلق ما لم نقله وأتى به من عند نفسه لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ أي لأخذنا بيده التي هي اليمين على وجه الإذلال ، كما يقول السلطان : يا غلام خذ بيده ، فأخذها إهانة ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ أي ولكنا نقطع منه وتينه ونهلكه ، وهو حبل القلب فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ أي فما منكم أحد يحجزنا عنه والمعنى : أنه لا يتكلف الكذب لأجلكم مع علمه أنه لو تكلف ذلك لعاتبناه ، ثم لم تقدروا أنتم على دفع عقوبتنا عنه . ثم ذكر سبحانه أن القرآن ما هو فقال وَإِنَّهُ لَتَذْكِرَةٌ لِلْمُتَّقِينَ أي وانه لعظة لمن اتقى عقاب اللّه بطاعته وَإِنَّا لَنَعْلَمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ بالقرآن ، أشار سبحانه إلى أن منهم من يصدق ، ومنهم من يكذّب وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكافِرِينَ أي انّ هذا القرآن حسرة عليهم يوم القيامة حيث لم يعملوا به في الدنيا وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ معناه : وان القرآن للمتقين لحق اليقين ، والحق هو اليقين ، وإنما أضافه إلى نفسه كما يقال : مسجد الجامع ، ودار الآخرة فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ الخطاب للنبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم والمراد به جميع المكلفين ومعناه : نزّه اللّه سبحانه عما لا يجوز عليه من الصفات ، والعظيم هو الجليل الذي يصغر شأن غيره في شأنه ، ويتضاءل كل شيء لعظمته وسلطانه . سورة المعارج مكية وآياتها أربع وأربعون آية 1 - 10 - سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ المعنى : دعا داع على نفسه بعذاب واقع مستعجلا له وهو واقع ، روى الحاكم الحسكاني عن جعفر بن محمد الصادق عن آبائه عليهم السلام قال : لمّا نصب رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلم عليّا عليه السلام يوم غدير خم وقال : من كنت مولاه فعليّ مولاه ، طار ذلك في البلاد ، فقدم على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم النعمان بن الحرث الفهري فقال : أمرتنا عن اللّه أن نشهد أن لا إله إلا اللّه ، وأنك رسول اللّه ، وأمرتنا بالجهاد والحج والصوم والصلاة والزكاة فقبلناها ، ثم لم ترض حتى نصبت هذا الغلام فقلت : من كنت مولاه فعليّ مولاه ، فهذا شيء منك أو أمر من عند اللّه ؟ فقال : واللّه الذي لا إله إلا هو ان هذا من اللّه ، فولّى النعمان بن الحرث وهو يقول : اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء ، فرماه اللّه بحجر على رأسه فقتله ، وأنزل اللّه تعالى : سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ مِنَ اللَّهِ ذِي الْمَعارِجِ أي ليس لعذاب اللّه دافع من اللّه ، وذي المعارج صفة اللّه سبحانه ومعناه : ذي الفواضل العالية ، والدرجات التي يعطيها للأنبياء والأولياء في الجنة ، وقيل أنها معارج السماء ، أي مواضع عروج الملائكة تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ أي تصعد الملائكة ويصعد الروح أيضا معهم وهو جبرائيل ، خصّه بالذكر من بين الملائكة تشريفا له إِلَيْهِ أي إلى الموضع الذي لا